أحمد بن يحيى العمري

35

مسالك الأبصار في ممالك الأمصار

المتشاغلين به ، وزعموا أنه لا تحتاج إليه الحكمة ، لأن النحويين معلمو الصبيان ، والشعراء أصحاب أباطيل وكذب ، والبلغاء أصحاب تمحّل ومراء « 1 » ، فأدركته الحفيظة « 2 » لهم ، فناضل عنهم ، واحتج لهم ، وقال : إن فضل الإنسان على البهائم بالنطق ، وأحقهم بالإنسيّة أبلغهم في منطقه ، وإذا كانت الحكمة أشرف الأشياء فينبغي أن تكون العبارة عنها بأشرف المنطق لأن العيّ يذهب بنور الحكمة ، ويقطع عن الأداء ، ويقصر عن الحاجة ، ويلبس على المستمع ، ويفسد المعاني ، فيورث الشبهة . ثم انتقل أرسطو إلى أفلاطون لتعلم العلوم الأخلاقية ، والسياسية ، والطبيعية ، والتعليمية ، والإلهية . وكان أفلاطون إذا استدعي منه الكلام يقول : اصبروا حتى يحضر الناس ! فإذا جاء أرسطو قال : تكلموا ، فقد حضر العقل ! " « 3 » . وقال حنين « 4 » : " كان منقوشا على [ فص ] خاتم أرسطو : المنكر لما يعلم أعلم من المقرّ بما لا يعلم ! " « 5 » .

--> ( 1 ) : التمحل : الخداع ، والمكر ، والكيد " القاموس مادة محل " . والمراء : الجدال . ( 2 ) : أي : الغيرة والحمية لهتك حرمتهم . ( 3 ) : انظر : مختار الحكم ومحاسن الكلم لابن فاتك ، واسمه المبشر ، ص 179 - 180 - تحقيق د . عبد الرحمن بدوي . وكذا عيون الأنباء لابن أبي أصيبعة - ص 88 - 90 . ( 4 ) : العبّاديّ ، النصراني ، ابن إسحاق ، علّامة وقته في الطب ، وكان بارعا في لغة اليونان . عرّب كتاب أقليدس ، وله تصانيف عدة ، منها : تاريخ العالم والمبدأ والأنبياء والملوك والأمم ، إلى زمنه . وكان ابنه إسحاق بن حنين من كبار الأطباء أيضا . توفي حنين في صفر سنة ستين ومائتين . انظر ترجمته في : فهرست ابن النديم 352 ، طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة 1 / 184 ، وفيات الأعيان 217 - 218 ، العبر 2 / 20 ، أخبار الحكماء 117 ، تاريخ حكماء الإسلام 16 ، تاريخ ابن كثير 11 / 32 ، سير أعلام النبلاء 12 / 492 ، المنتظم 5 / 24 . ( 5 ) : انظر : عيون الأنباء - ص 90 .